شتان ما بين 2006 و 2013 !

اثنين, 09/25/2017 - 00:33

قد يقول قائل لماذا فلان يعطي أهميّة كبيرة لهذا العالم الافتراضي ويعود أكثر من مرّة إلى مواضيع سبق وأن كتب فيها. وهو سؤالٌ وارِدٌ تماما(أحترم أصحابه)، وانتقاد في محله، ولكنّي أعتذرُ عن نفسي بأنّ التاريخ يُكتب هكذا. وأرى من واجبي تقديم قراءتي ورؤيَتي للأحداث، وخاصة فيما يتعلقُ منها بحياتي قبل أن أرحَل عن هذه الدنيا الفانيّة، وتبقى الأمور محَلّ نقاش من بعدي.

لا حاجة لي في التذكير بأنّي لستُ هنا بصدد الدفاع عن شخص، أو تلميع مسيرة ؛ إن أريدُ إلاّ إعطاء وجهة نظري في ما جرى 2006 و2013. باستطاعتي أن أسكتَ كما سكتَ آخرون ممّن يسمّون في القاموس الجديد أطر ما قبل 2005 من وزراء وسفراء ومدراء وولاة ووجهاء من جميع أنحاء المقاطعة، وهم كُثُر بحمد الله، وقادرون على الكتابة ما شاء الله؛ ولكني لم أجد مبررا مقنعا يدفَعُ للسكوت، إذ لا خوف من الحاضر، ولا تنصُّل من الماضي، ولا طمع، ولا فقر في الحجة، ولا نسيان، ولا ضعف في الذاكرة؛ ولله الحمد ! وهذا بالطبع لا يتنافى مع احترامي لسكوت الآخرين وتفهّمي لأسبابه ودعاويه. وهكذا، وبعد بسم الله الرّحمن الرّحيم، أقول وبالله تعالى التوفيق :

لا ينبغي النظرُ إلى انتخابات 2006 على أنّها انتخابات محلية فقط، بل هي انتخابات وطنية بامتياز. لقد جرى تنظيمها في خِضمّ انقلاب عسكري أطاح بنظام كامل بحزبه وإدارته وبرلمانه ورجاله وسياساته، إلخ... وبالتالي، فإنّه من المنطقي تماما أن تنظر السلطة الجديدة إلى هذه الانتخابات على أنها جزء مكمِّل لانقلابها وامتداد طبيعي له.

 

ومن المنطقي تماما أن تجعل منها محطة انطلاق لبسط سيطرتها على الساحة السياسية بأغلبية مريحة في البرلمان بعد سيطرتها على الوضع العسكري والأمني. ولذلكـ، فقد بدَا للعيان منذ اللحظة الأولى أنّ المجلس العسكري كان حريصا على أن تأتي نتائج انتخاباته متَوِّجَة لانقلابه، وداعِمَة له، ومؤكِّدة عليه.

 

ولذا، بادر أول ما بادر إليه بمضايقة الحزب الجمهوري ومنعه من التجمع والتعبير والعمل، ثم عمد إلى مطاردته بالقضاء وحلّه وتحريم أنشطته في ظلّ حملة لا زالت تتردد أصداؤها حتى الآن ضد ما أسماه بالفساد والمفسدين. وهو ما جعل ثلة من المتمسّكين به كحزب يغيّرون إسمه بعد أن فرّ منهُ الجميع،،،

 

ولم يكتفِ المجلس العسكري بذلكـ، بل أسّس حركة وطنيّة اسمها "المنسقية الوطنية للمستقلين" كانت هي ذراعه السياسي والمدني للعمل على تحصيل أغلبيّة برلمانيّة تابعة له في تحدّ واضح للطيف السياسي الحزبي الموجود قبل الانقلاب بموالاته ومعارضته. فكانت سلطات 2005 مصرّة على تشكيل برلمان في خدمتها ورهْن إشارتها لتسيير المرحلة الانتقالية وما بعدها من أجندات خفِيّة، وذلكـ على حساب الموالاة السابقة والمعارضة السابقة معاً ! وكان البلد إذن في 2006 أمام 3 مكوّنات متنافسة، هي: الموالاة السابقة، والمعارضة السابقة، وسلطة الانقلاب مدعومة ب"مستقليها الجُدُد". 

 

ومن المعلوم أنّ الطبقة السياسية كلها انجرفت وراء العسكر في مجهود تعبوي شامل يرمي إلى "عَزل" الثلة القليلة التي آثرت التّمَسُكـ (زاد هي ههه) برَماد الحزب الجمهوري، وفات عليها أنها مستهدَفَة أيضا، وإنْ كانت بدرجَة أقل ... انتهت الانتخابات بفوز أغلبيّة ساحقة للمستقلين الخارجين من رحم الانقلاب العسكري، لا مسار لهم ولا تاريخ في العمل السياسي معَ أو ضدّ الأنظمة السابقة، ولا مواقف معلومة سوى التبعيّة للسلطة الجديدة. وهي الأغلبيّة التي أستحقّت عن جدارة لقبَ "الكتيبة البرلمانية" بسبب دورها في تسيير المرحلة الانتقالية وانقلاب 2008...

 

أمّا المعارضة التي ناضلت وجاهدت على مدى 20 سنة وأكثر وقدمت التضحيات تلوَ التضحيات وبعضها حمل السلاح، فإنها لم تحصل إلاّ على عدد قليل من المقاعد سمحت به "النسبية" في اللوائح الوطنية وفي المدن الكبرى، بالإضافة إلى 5 أو 6 مقاطعات لم يستطع فيها المجلس العسكري و" جُدُدُهُ" خوض منافسة ذات شأن ضد الثلة المتمسكة بالحزب الجمهوري؛ ولم يبقَ أمامه في تلكـ المقاطعات "العصيّة" إلاّ التراجع لصالح المعارضة لسدّ الباب أمام "الجمهوري".

 

هذا هو ما حصل في مگطع لحجار وتجگجة وواد الناگه (مقاطعات النضال والوعي والحِنكة السياسية) وفي مقاطعات قليلة أخرى. ولنا في مگطع لحجار أن نفخر بتلكـ النتيجة لأنّ مقاطعتنا وزّعت أصواتها بين القوتين السياسيتين البارزتين في ساحة ما قبل الانقلاب: الجمهوري ومعارضته المكافحة، ولم تسقط في فخّ السلطة الانقلابيّة، ولم تتركـ مجالا لبروز تيار ثالث يُذكر غير الحزب الجمهوري المطاح به أو القوى المعارضة له قبل الانقلاب، إلخ،،،

 

ولهذا السبب، سجل التاريخ أنني كنتُ أول من دخل على نائب الفرسان مولاي ولد ابراهيم ونائب الإصلاحيين محمد المصطفى ولد محمد السالم (حفظ الله الجميع) مهنّئا ومباركا لهما النجاح قبل الكأس الأول من أتاي الصباح في اليوم الموالي ليوم الاقتراع. وهو لعمري موقف غير مسبوق في تاريخ الممارسة الانتخابية هناكـ. لم أشعر بطعم الخسارة، بل أدركتُ في الحين أنّ مگطع لحجار انتصر عندما تمكّنت قواه الحيّة والفاعلة من سدّ باب البرلمان أمام "السياسيين الجُدُد" و"جُدُد السياسة"، ودفَعَت بنواب وشيخ من صفوف المعارضة لهم تاريخ نضالي معلوم. أمّا خسارة الحزب الجمهوري، فتلكـ مسلّمة من المسلّمات.

 

لقد اتضح للجميع أنّ لوائح "الجمهوري" (على قلّة عددها) ما كان لها أنْ تفوز في ظل ما يتعرضُ له أصحابها من "عزل" و"جلد" و"طرد" على يد كل من هبّ ودبّ على امتداد التراب الوطني . خسارتُها في مگطع لحجار هي بالذات خسارتُها في أي مقاطعة أخرى؛ في آمرج، لعيون، تجگجة، كرمسين، ازويرات، وادان. لم يطلع من وزراء النظام السابق إلاّ اثنان فُرضت عليهم الاستقلاليّة وقبلا بها في كلّ من المذرذره وكنكوصَه. ولا وزير واحد طلع في لائحة من لوائح الحزب الجمهوري... هذا للتاريخ !

أمّا في 2013، فإنّ الأمر لم يكن كذلكـ. لقد استطاعت السلطة تحقيق ما عجزت عنه في 2006. بالفعل، استطاعت هذه المرّة طرح لوائح باسم حزبها معتمِدَة على أفضل ما أنتجته مدرسة الحزب الجمهوري من كوادر ووجهاء وفاعلين. وفازت في الانتخابات مستغِلّة مقاطعة المعارضة وتناقضاتها الداخليّة التي جذَبَت لها دعم بعض الأحزاب ...

 

ولا يهمني هنا تقييم موقف تلكـ الأحزاب، وهل كان صحيحا أم خاطئا، ما يهمني هو أنّ الدعم في الانتخابات حصل، وبقوّة، لصالح "حزب السلطة". وفي المحصلة، فاز هذا الأخير باللتيا والتي، وبشق الأنفس في شوط ثانٍ مليء بالعِبر والطرائف والنّكَت. قلتُ إنّ السلطة حققت في 2013 ما عجزت عنه في 2006. نعَم؛ استطاعت هذه المرّة ليّ ذراع مگطع لحجار والسيطرة على بلدياته ال4 وتوظيفها في طلب المأموريّة ال3، وتغيير الدستور، والعلم، والنشيد،،، واستطاعت أن تأتي بنُوّاب تورّطوا منذ بداية 2017 في إهانة الرموز الوطنيّة وتشويه صورة المقاطعة التي دافع عنها نواب 2006 بشرف، واحتفظ بها عضو مجلس الشيوخ المنتخب منذ ذلكـ التاريخ؛ وعضّ عليها بالنّواجذ ولسان حاله يقول : نحنُ "بقيّة مما تركـ آل موسى وأل هارون"!

 

شتّان ما بين 2006 و2017 ! في انتخابات 2006، فازت المعارضة بكراسي البرلمان، ودافعت عن عظَمَة المگطع وكبريائه عندما رفض نُوّابها وشيخها الانخراط في الكتيبة البرلمانيّة الانقلابيّة، ورفضوا فضيحة محكمة العدل السامية، ورفضوا متاهة انقلاب 2008 ضد رئيس مدني منتخب !

 

ذلكم هو مقطع لحجار 2006 الذي وقف بقوّة ضدّ محمد ولد عبد العزيز في انتخابات 2009 ولم يُعطِه سوى 46% من الأصوات المعبّر عنها ،،، أمّا انتخابات 2013، فقد شهدت سقوط مگطع لحجار من يد المعارضة إلى وَحَل السلطة بفوز حزب "الاتحاد" على غرار ما كان قبل 2005.

 

لقد تراجع المگطع إلى الوراء وتقاعس وعادَ مجدّدا إلى التصفيق واللحلحة والزبونيّة. وها هو اليوم، وبكل أسف، يصولُ ويجولُ بمنتَخَبيه ضد الدستور، وضد العَلم، وضد النشيد، وضد تحديد المأموريات،،، وينادي بمأموريّة ثالثة ورابعة وخامسة ! شتّانَ ما بين 2006 و2013 ؟! مالكم كيف تقارنون ؟! وما لكم كيف تحكمون ؟!

 

لاحقا بحول الله، سأكتبُ عن الأسباب الكامنة وراء هذا التراجُع والتقاعُس.

محمد فال ولد بلال وزير وسفير سابق